الذهبي

1224

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

الفُضَيْل بْن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء ، وكان هُوَ أتى بنفسه إلى بيت الفُضَيْل . ومن محاسنه أنّه لمّا بلغه موتُ ابن المبارك جلس للعزاء ، وأمر الأعيان أن يُعَزُّوه في ابن المبارك . قَالَ نِفْطَوَيْه في تاريخه : حكى بعض أصحاب الرّشيد أنّ الرشيد كَانَ يصلّي في اليوم مائة ركعة ، لم يتركها إلا لِعلّة ، وكان يقتفي آثار جدّه أَبِي جعفر ، إلا في الحرص . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ : مَا ذَكَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ إِلا قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي . وَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أَحْيَى ثم أقتل " فبكى حتى انتحب . عن خُرَّزاذ القائد قَالَ : كنت عند الرشيد ، فدخل أبو معاوية الضّرير وعنده رَجُل مِن وجوه قريش ، فذكر أبو معاوية حديث : " احتجّ آدمُ وموسى " ، فقال الْقُرَشِيّ : فأين لِقيه ؟ فغضب الرشيد ، وقال : النَّطْع والسيّف ، زنديق يطعن في حديث النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فما زال أبو معاوية يُسَكَّنه ويقول : يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة ، حتّى سكن . وعن أَبِي معاوية قَالَ : أكلت مَعَ الرشيد يومًا ، ثمّ صَبَّ عَلَى يديّ رجلٌ لا أعرفه . ثمّ قَالَ الرشيد : تدري مِن يصبّ عليك ؟ قلت : لا . قَالَ : أَنَا ، إجلالا للعِلم . وقال منصور بن عمار : ما رأيت أغزر دمعا عند الذّكِر مِن ثلاثة ؛ الفُضَيْل بْن عِياض ، والرشيد ، وآخر . وقال عُبَيْد الله القَواريريّ : لمّا لقي الرشيد فضيلا قَالَ لَهُ : يا حَسَن الوجه ، أنت المسؤول عن هذه الأمة ، حدثنا ليث ، عَنْ مجاهد : ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) قَالَ : الْوُصَلُ التي كانت بينهم في الدنيا . فجعل هارون يبكي ويشهق . قَالَ الأصمعيّ : قَالَ لي الرشيد : يا أصمعيّ ، ما أغفلك عنّا وأجفاك لنا ؟ قلت : والله يا أمير المؤمنين ، ما ألاقَتْني بلادٌ بعدك حتّى أتيتك . فسكتَ ، فلمّا